إبستين وازدواجية القيم الغربية... حين تسقط الأخلاق في امتحان السلطة

إبستين وازدواجية القيم الغربية... حين تسقط الأخلاق في امتحان السلطة
قضية إبستين ليست فضيحة أخلاقية فقط، بل لحظة سقوط رمزية للسردية الغربية كلها. الغرب الذي يعظ العالم عن حماية الطفل، عجز عن حماية الأطفال داخل نخبه. الغرب الذي يتحدث عن سيادة القانون، عجز عن تطبيق القانون على نفسه. الغرب الذي يدّعي الشفافية، دفن الحقيقة مع الجاني. والسؤال الحقيقي...

لم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرد قضية جنائية عن رجل ثري استغل فتيات قاصرات، بل كانت صدمة أخلاقية كشفت ما لا يريد الغرب الاعتراف به: وهو أن النظام الذي يقدّم نفسه بوصفه حارس القيم العالمية، يعجز عن محاسبة نخبه عندما تنتهك تلك القيم في قلب سلطته.

إبستين لم يكن ذئبًا منفردًا. كان جزءًا من شبكة علاقات واسعة ضمت سياسيين، رجال أعمال، شخصيات ملكية، أكاديميين، وإعلاميين من الولايات المتحدة وأوروبا. شبكة عابرة للقارات، محمية بالصمت، والنفوذ، والتسويات القضائية، حتى انتهت القصة بانتحار غامض داخل سجن يخضع لأعلى درجات الحماية في العالم. هنا لم تعد القضية عن شخص واحد، بل عن منظومة كاملة.

الغرب كواعظ أخلاقي

منذ عقود، يقدّم الغرب نفسه بوصفه المرجعية الأخلاقية للعالم: نموذج الديمقراطية، حارس حقوق الإنسان، حامي حرية المرأة، حماية الطفل، مكافحة الاتجار بالبشر. الولايات المتحدة وأوروبا والدول الغربية الكبرى لا تكتفي بتبنّي هذه القيم داخليًا، بل تمارس دور -الوصيّ الأخلاقي- على بقية العالم، عبر التقارير الدولية، والعقوبات، والخطابات السياسية، بل وحتى التدخل العسكري باسم حماية الإنسان وباسم هذه القيم. لكن حين تقع الجريمة داخل البيت الغربي، داخل نُخبه، داخل طبقته العليا، يتغير كل شيء:

لا لجان تحقيق دولية،

لا محاكمات شفافة للأسماء الكبيرة،

لا مساءلة سياسية حقيقية،

ولا حتى نقاش جدي في البرلمانات.

القضية تُغلق،

الملفات تُحرق،

والضحايا يُنسون.

حقوق الإنسان للخارج فقط

فضيحة إبستين كشفت حقيقة صادمة:

حقوق الإنسان في الخطاب الغربي ليست قيمة عالمية، بل أداة سياسية.

تُستخدم ضد الخصوم، تُرفع في وجه الدول الضعيفة، وتُعلّق عندما تمسّ النخب القوية.

الطفلة في أفريقيا أو الشرق الأوسط تتحول إلى قضية عالمية.

أما الطفلة في شبكة إبستين، فتصبح "تفصيلاً مؤسفًا" في نشرة أخبار.

هذه ليست ازدواجية أخلاقية فقط، بل نظام أخلاقي انتقائي:

يُحاسب الهامش -باعتباراتهم-، ويعفي المركز.

المال أقوى من العدالة

في عالم السوق النيوليبرالي، لم تعد العدالة قيمة أخلاقية، بل كلفة اقتصادية.

إبستين اشترى الصمت.

اشترى التسويات.

اشترى الإعلام.

واشترى الوقت… حتى مات.

وحين مات، ماتت معه الأسئلة.

في الغرب، حين يكون الجاني فقيرًا، يُسجن.

وحين يكون ثريًا، يُسوّى ملفه.

وحين يكون نافذًا، يُمحى.

العدالة لم تعد ميزانًا، بل صفقة.

الصمت... أخطر من الجريمة

الأخطر في فضيحة إبستين ليس ما كُشف، بل ما جرى دفنه عمدًا. فالصمت الذي أعقب القضية لم يكن عجزًا عن الوصول إلى الحقيقة، بل قرارًا سياسيًا بعدم الاقتراب منها. لقد أُغلقت الملفات بسرعة مريبة، وتحوّل الانتحار الغامض إلى نهاية مريحة لقصة لم يُسمح لها أن تُستكمل.

هذا الصمت لم يكن حيادًا، بل شكلًا من أشكال العنف. عنفًا ضد الضحايا الذين جرى محوهم من السردية العامة، وعنفًا ضد الرأي العام الذي حُرم من معرفة من كان خلف الشبكة، وعنفًا ضد فكرة العدالة نفسها التي جرى اختزالها في شخص واحد.

فحين تختار السلطة أن تصمت، فهي لا تحمي الحقيقة، بل تحمي نفسها. وحين تُغلق الأسئلة بدل فتحها، يصبح الصمت شريكًا في الجريمة، لا مجرد رد فعل عليها. وفي حالة إبستين، لم يكن الصمت نهاية القصة، بل الدليل الأوضح على أن الحقيقة أخطر على النظام من الجريمة ذاتها.

سقوط السردية الأخلاقية

قضية إبستين ليست فضيحة أخلاقية فقط، بل لحظة سقوط رمزية للسردية الغربية كلها.

الغرب الذي يعظ العالم عن حماية الطفل، عجز عن حماية الأطفال داخل نخبه.

الغرب الذي يتحدث عن سيادة القانون، عجز عن تطبيق القانون على نفسه.

الغرب الذي يدّعي الشفافية، دفن الحقيقة مع الجاني.

والسؤال الحقيقي لم يعد: من هو إبستين؟

بل: أي نوع من الحضارة ينتج نظامًا أخلاقيًا لا يستطيع محاسبة ذاته؟

حين تعجز السلطة عن محاسبة نفسها، تسقط كل خطاباتها عن القيم، وتتحول الأخلاق إلى مسرح، وحقوق الإنسان إلى دعاية، والعدالة إلى امتياز طبقي.

وهنا لا تكون فضيحة إبستين استثناءً، بل القاعدة التي لا يريد الغرب الاعتراف بها.

 

 

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

د. عقيل كريم الحسناوي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!