المشاركة المجتمعية في صنع قرارات السلطة المحلية

276 2017-7-13 7:39

المشاركة المجتمعية في صنع قرارات السلطة المحلية

لا ينبغي القول إن السكان المحليين، إنما يشتركون في صنع السياسات العامة لمناطقهم من خلال انتخاب ممثليهم في السلطة المحلية، وهؤلاء الممثلون المنتخبون هم من يقرروا بالنيابة عن السكان ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله. هذا القول ليس دقيقا تماما، ومن يرى صحته هو يصادر حقوق السكان المحليين في رسم السياسيات العامة، وفي تأثير على صنع القرارات التي تهمهم وتلبي حاجاتهم.

مفهوم المشاركة المجتمعية في الحكومات المحلية لا يبدأ ولا ينتهي بممارسة المجتمعات المحلية حقها في انتخاب من يمثلها في المجالس المنتخبة، بل الانتخاب هو نتيجة لإدراك المجتمعات المحلية، أن التعبير عن مصالحها وتحقيق حاجاتها، إنما يكون بالرجوع إليها وأخذ رأيها فقط. وأن الأعضاء المنتخبين يعبرون عن تلك المصالح وتلك الحاجات؛ لا يقولون بما يعتقدون أو بما يرون أو بما يتصورون؛ فهؤلاء الممثلون هم قنوات الشعب نحو السلطة، فهم ليسوا الشعب، بل هم ممثلو الشعب في بيت السلطة.

تعني "المشاركة الشعبية" المشاركة القائمة على الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، مشاركة من الأفراد والجماعات والقيادات في كل ما يتصل بالحياة في المجتمع المحلي بوجه عام، وفي كل ما يتعلق بتنمية موارد الناس الاجتماعية والاقتصادية والفكرية بوجه خاص، يسهم فيها كل مواطن بما يستطيعه أو يملكه بدافع من رغبة حقيقية نابعة من اتجاه اجتماعي ومبادئ ثقافية أخلاقية.

هذا الفهم المعاصر لمبدأ (المشاركة المجتمعية) له جذوره التاريخية في الإسلام من حيث مبدأ المساواة التامة بين البشر في إطار المرجعية القيمية السلوكية، يقول تعالى: "وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً" (سورة الفرقان 54)، ويقول الرسول صلى الله عليه وآله (كلكم لآدم وآدم من تراب). ومن حيث مبدأ الشورى في أخذ القرارات السياسية والاجتماعية والإدارية: يقول الله عز وجل "الذين استجابوا لربهم وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" (الشورى 38).

ومبدأ "المشاركة المجتمعية" له ما يؤيده من إعلانات ومواثيق وطنية وإقليمية والدولية على المستوى الإقليمي والدولي، حيث يمكن القول بان حق المشاركة في صنع القرار يستلزم ضمان ممارسة الحقوق الفردية والحقوق الجماعية في نفس الوقت، ويتعين على أي دستور ديمقراطي احترام الحد الأدنى من المعايير الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، مثال حق المشاركة في الحياة الثقافية والسياسية أو حق المشاركة الفردية في صنع السياسات العامة.

فالمادة الواحد والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على ما يلي: – لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية. وإرادة الشعب هي أساس سلطة الحكم، ويجب ان تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت.

كما تنص الفقرة الأولى من المادة الأولى للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، ويشمل هذا الحق في مفهومه العام الحق في صنع السياسات العامة وصنع القرارات. كما نصت المادة الخامسة والعشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على انه "يتاح لكل مواطن دون أي تمييز بسبب الاعتبارات المنصوص عليها في المادة 2 ودون فرض أي قيد غير معقول: أ-أن يشارك في إدارة الشؤون العامة إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين مختارين بحرية ….". وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 25 الصادر في 1996 (المادة 6) أن المشاركة المباشرة للمواطنين في إدارة الشؤون العامة تشمل المشاركة في صنع السياسات العامة.

تهدف "المشاركة المجتمعية" إلى صياغة خطط وطنية ومحلية وقطاعية بين الحكومة والمواطنين، وإعداد موازنات تشاركية للحكومات، وتعزيز الديمقراطية بآليات دائمة من الشفافية والمساءلة والمراقبة الاجتماعية، وتدريب المواطنين وتقوية عمليات التواصل بين المجتمع المحلي وقيادته المحلية والمنظمات غير الحكومية التي تمثله من جهة وبين السلطات المحلية والوطنية من جهة ثانية.

إذا ما تحققت المشاركة المجتمعية بهذا المعنى، فأنها -قطعا-تؤدي إلى تحقيق أعلى درجات المواطنة، إذ تنقل المجتمع من دائرة السكان العاديين أو المواطنين المتفرجين الخاملين إلى دائرة المواطنين المشاركين الفاعلين، وهي أعلى درجات المواطنة. وكلما ازدادت مساحة المشاركة في المجتمع تنموياً واجتماعياً واتسعت رقعة المؤسسات الأهلية والمدنية كلما قوي المجتمع في مقابل الدولة؛ وقوة المجتمع قوة للدولة لأن قوة الأصل قوة للفرع والدولة مهما بلغت قوتها لا تستطيع القيام بجميع الأعمال والخدمات مما تحتاج معه إلى مساندة المجتمع في الإنفاق الحكومي وهذا بدوره يؤدي إلى المشاركة في القرار السياسي.

هذا يعني أن المجتمع المنظم، هو الذي تكون تشكيلاته السياسية مؤدية إلى منح جميع افراده الفرص الكافية، والمتكافئة لإشباع حاجاتهم في الحرية والحياة الرفيعة، وصنع القرار. ولكي يكون المجتمع كذلك، لابد لأفراده أن يؤدوا الخدمة للصالح العام، بحيث يشعر الفرد أنه إذا عمل من أجل المجتمع إنما هو يعمل لنفسه، وأن المجتمع لا يمكن له النهوض إلا به.

نخلص مما تقدم أن المشاركة الشعبية في صنع قرارات السلطات المحلية:

1- تسهم في تقديم فهم وتصور واضحين لطبيعة المشاكل في المناطق المعنية بالتنمية، وذلك من خلال إدراك المواطنين لحجم مشكلاتهم وموارد المنطقة وإمكاناتها؛

2- تؤدى المشاركة الحقيقية والفاعلة إلى تعلم المواطنين عن طريق الممارسة، فيتعلمون كيف يحلون مشكلاتهم واستغلال مواردهم مع مرور الوقت من خلال الصواب والخطأ؛

3- تعمل المشاركة الشعبية على تقليص الدور الأحادي المتعاظم للحكومة أو المركز كما أنها تحجم دور الصفوة والنخب في المجتمع، وتساهم في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن البنى الاجتماعية القائمة؛

4- تعزز المشاركة المباشرة الثقة بالنفس –أي ثقة المواطنين– الأمر الذي يولد فيهم الاستعداد النفسي وتنظيم أنفسهم في تنظيمات وهيئات مجتمعية تساند الحكومة في توفير احتياجاتهم وتشارك في وضع الخطط وتنفيذها وتقويمها.

5- مشاركة المواطنين تجعلهم أكثر تقبلاً للقرارات والمشروعات والبرامج التنموية التي يشاركون فيها بفاعلية وبروح الفهم والمسئولية الأمر الذي يؤدى إلى نجاحها.

6- تحفز المشاركة أفراد المجتمع على المبادرة، وفتح باب التعاون مع الجهات الرسمية ودعمها بالأفكار البناءة والصائبة.

7- تسهم مشاركة المواطنين في إرساء وتأكيد القيم الخاصة بالمحافظة على المال العام.


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم)
هاتف : 009647712421188
البريد الالكتروني :ademrights@gmail.com
جميع الحقوق محفوظة لــ ( مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات )
2015-1998