خلق فرص العمل للشباب والشابات

شبكة النبأ المعلوماتية: 59 2018-5-1 9:46

خلق فرص العمل للشباب والشابات

   من هم الشباب والشابات؟ وكم يُشكلون من نسبة التركيبة السكانية للدول النامية والدول العربية؟ ولماذا يجب أن تهتم الحكومات بهذه الشريحة الاجتماعية على نحو الأولوية المجتمعية؟ وماهي المشكلات والمعوقات التي تحول دون حصولهم على فرص عمل تساعدهم في العيش بكرامة، مع وجود هذا الكم الهائل من السياسات والبرامج التشغيلية؟ وكيف يمكن أن نوفر لهم فرص عمل لائقة ومستقرة وفق خطط وسياسيات منتجة؟ وكيف يمكن تحسين وظائف الشباب وتنميتها وتطويرها، بهدف تحقيق تنمية اقتصادية شاملة للبلد، على المستويين البشري والمالي، كون هؤلاء يمثلون تحديا وفرصة للدولة في آن واحد؟

يمكن وصف الشباب بأنه مرحلة يخرج خلالها شخص من الاعتماد(الطفولة) إلى الاستقلالية (البلوغ)، فلأغراض إحصائية، تعرف الأمم المتحدة الشباب بأنهم (أفراد في اعمار 15-24 عاما)، وباستخدام تصنيف آخر، تحدد مبادرة شباب الشرق الأوسط الشباب بأنهم (ذوو أعمار 15-29 عاما) وقد يتغير الوضع القانوني للشباب من بلد إلى آخر لأسباب عدة كالزواج، وحق التصويت، وحق التملك، والمخالفات الجنائية، وسن الخدمة العسكرية، وغيره.

في الاقتصاديات النامية، حيث يعيش (90%) من الشباب، لا يمكن لمعظم الشباب البقاء على قيد الحياة من دون عمل من جهة. والعمال الشباب في هذه البلدان معرضون -على نحو خاص-للبطالة الجزئية والفقر من جهة ثانية. إذ تبين الأدلة أن الشباب مرشحون أكثر من البالغين، لأن يكونوا ضمن الفقراء العاملين. وتفيد آخر تقديرات منظمة العمل الدولية بشأن فقر العاملين أن الشباب يمثلون نسبة واسعة إلى حد مفرط من الفقراء العاملين في العالم.

وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن أعمار ثلثي سكان المنطقة العربية اليوم تقل عن 30 عاما، نصفهم في الشريحة العمرية 15-29 سنة، وهؤلاء هم الذين يعتبرهم تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016، شبابا، ويقدر عددهم بأكثر من مئة مليون. هذه الكتلة السكانية غير المسبوقة في تاريخ المنطقة من الشباب في أهم سنوات القدرة على العمل والعطاء تكون طاقة هائلة، قادرة على دفع عجلة التقدم الاقتصادي والاجتماعي إذا أتيحت لها الفرصة.

وبحسب التقرير التنمية العربية لعام 2016 فإن (البطالة بين الشباب العرب هي الأعلى في العالم، 29 في المائة عام 2013، مقابل 13 في المائة عالميا؛ حيث يبلغ الباحثون عن عمل للمرة الأولى نحو نصف العاطلين عن العمل، وهو أيضا أعلى معدل في العالم، وبطالة الشباب مكلفة كثيرا للمجتمعات العربية، وتتطلب تغييرا رئيسيا في تفكير السياسات بشأن فرص العمل، فالمنطقة تحتاج إلى خلق ما يصل إلى أكثر من 60 مليون وظيفة جديدة في العقد المقبل لاستيعاب العدد الكبير من الداخلين إلى القوى العاملة، وجعل البطالة بين الشباب مستقرة).

في الواقع، هناك كلفة باهظة جدا يمكن أن تدفعها المجتمعات الحاضنة للشباب والشابات العاطلين عن العمل؛ وهذه الكلفة لا تقتصر على هؤلاء المتضررين المباشرين، من حيث أن البطالة طويلة الأمد-في بداية الحياة-قد تخل إلى حد كبير من قابلية هؤلاء الشباب على العمل وعلى كسب القوت، والوصول إلى أعمال ذات نوعية جديدة. هذا، وقد تؤثر سلبا على سلوك ومواقف هؤلاء الشباب المستقبلية، وربما ينحرف بعضهم نتيجة ضغط الحاجة والحرمان عن جادة الصواب إلى جادة الخطأ، ويقترف جرائم تؤثر على حياته واستقرار المجتمعات المحلية التي يعيشون فيها.

بل قد تعني بطالة الشباب والشابات بالنسبة إلى الحكومات، أن الاستثمارات في مجال التعليم والتدريب ذهبت سدى، وأن قاعدة عائداتها الضريبية تدنت، وأن تكاليف الرعاية الاجتماعية قد ارتفعت، وأن تأبيد ناخبيها من الشباب قد تضاءل. وبالنسبة إلى منظمات أصحاب العمل، فإن بطالة الشباب وبطالتهم الجزئية تعنيان أن الشباب يملكون أموالاً أقل لإنفاقها في شراء المنتجات والخدمات، وأن وفوراتهم الشخصية باتت محدودة، ولا تسمح بالاستثمار في الأعمال، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج. أما بالنسبة إلى منظمات العمال، فإن بطالة الشباب تعني فقدان عضوية محتملة لضمان حقوق أفضل وظروف عمل وحماية محسّنة. إضافة إلى ذلك، قد تؤدي مستويات البطالة المرتفعة والمتزايدة بين الشباب إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، وإلى ازدياد تعاطي المخدرات وارتكاب الجرائم، كما تسهم بطالة الشباب وندرة الوظائف في رفع مستويات الفقر.

وبالتأكيد، لا يمكن لأي مجتمع التقدم بتقييد القدرات والفرص لنصف شعبه، فرغم أن النساء في البلدان العربية قادرات على إظهار نتائج مهمة في التنمية، لكنهن ما زلن يواجهن حياة من التمييز؛ حيث تبدأ المحنة من طفولة مبكرة تقليدية، وتتواصل عبر بيئات أسرية ونظم تعليمية مروجة ذكوريا، إلى زواج مقيد أو عمل من دون أجر.

وفي سبيل ذلك، يُعد خلق فرص عمل للشباب والشابات، وبخاصة خلق وظائف لائقة ومستدامة، هو القضية الأكثر تحديا التي تواجه المنطقة العربية؛ فإذا واصلت القوى العاملة نموها بالمعدلات الحالية أو ما شابه ذلك، فسوف يتطلب الأمر خلق (60) مليون وظيفة جديدة في العقد المقبل لاستيعاب المجموعة الكبيرة من الداخليين إلى قوة العمل. وعلى الرغم من أن تفضيل التوظيف في القطاع العام لا يزال مرتفعا، فان قلة من هذه الفرص موجودة الآن ماعدا في الأردن وبلدان مجلس التعاون الخليجي التي قد تبدو قادرة على استدامة فرص العمل في القطاع العام لمواطنيها.

إذا، لابد من استراتيجيات لتحقيق فرص عمل للشباب، استراتيجيات حقيقية فعالة ومنتجة، حيث أن تشجيع عمالة الشباب ستعود بالفائدة على الجميع. فالاستثمار في الشباب هو كالاستثمار في المجتمع. ويخلق العمل اللائق للشباب نتائج مضاعفة في الميدان الاقتصادي إذ يحفز طلب المستهلك، ويزيد العائدات الضريبية. وحين يحصل الشباب على عمل لائق، ينخفض الطلب على الخدمات الاجتماعية، لأنهم يمضون أوقاتهم حينها بشكل منتج وصحي ينمي احترامهم لأنفسهم. وهناك رابط وثيق بين النجاح في المسار المهني بشكل مبكر والتمتع بآفاق مهنية طويلة الأجل. إذ أن ذلك يحول الشباب من وضع التبعية الاجتماعية إلى وضع الاكتفاء الذاتي، ويساعدهم على النجاة من الفقر، وعلى الإسهام بنشاط في المجتمع.

وعلى ذلك، وبحسب المختصين، يستدعي تمكين الشباب إصلاحات على ثلاثة مستويات من العمل؛ يرتبط أولها بالسياسات الناظمة للعقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها وهيكلية الاقتصاد الكلي لضمان الشمول الكامل وتوسيع الفرص المتاحة للجميع، بمن فيهم الشباب، بعدالة ودون تمييز. ويركز المستوى الثاني على السياسات القطاعية، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة والتوظيف، لضمان توفير وجود الخدمات التي من شأنها تعزيز قدرات الشباب، ومن ثم لتوسيع نطاق حريتهم في الاختيار. ويتناول المستوى الثالث السياسات الوطنية المعنية مباشرا بالشباب. وينبغي لهذه السياسات تجاوز نهج إيجاد الحلول لمشاكل الشباب الذي عادة ما يكون جزئيا وقصير المدى، وأحيانا صوريا وغير مجد، لتتعامل بفعالية مع المستويين الأوليين، لتضمن مشاركة شبابية أوسع في وضع السياسات العامة ومراقبة تخصيص الموازنات وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية كافة، ومتابعة التنفيذ والتقدم نحو إنجاز الأوليات.

وفي المحصلة، نرى أن استراتيجيات توفير فرص العمل للشباب والشابات تعتمد على العديد من المسائل هي:

1- العمل على تطوير نظم التعليم والتدريب المهني للشباب لتستجيب بكفاءة لمستجدات العولمة والمعلوماتية وتقنيات التواصل الإلكتروني.

2- إيجاد سياسات داعمة للمبادرين بمشروعات صغرى تمكنهم من شق طريقهم في تأسيس المشروعات والتوظيف الذاتي.

3- مراجعة التشريعات النافذة لتستجيب بكفاءة عالية لآليات التشغيل الذاتي وتوسيع قاعدة التشغيل وإقحام مؤسسات المجتمع المدني.

4- التوجه نحو الاستفادة من التقنيات المعلوماتية والتواصلية المتطورة بما يخدم قضايا الاقتصاد ويرفع من المقدرة التنافسية للاقتصاد.

5- إيجاد نوع من التعاون والشراكة بين مؤسسات القطاع الخاص وبين المؤسسات المعنية بالتدريب والتأهيل والتكوين المهني.

6- تبني أسلوب حاضنات الأعمال والمشروعات الصغرى لتبني المبادرين والمقبلين الجدد على سوق العمل ودعمهم وتشجيعهم وتهيئة المرافق والمواقع المناسبة والمجهزة لبدء مشروعاتهم.

7- تحديث آليات التوظيف بما ينسجم مع مستجدات سوق العمل في تغيرها السريع وربط ذلك بالتعليم والتدريب المستمر الذي يوفر خيارات متعددة لتغير مسارات العمل.

8- إعطاء أهمية خاصة لما يعرف بمراكز الاتصالات للتوظيف، باعتبارها مجالا واعدا للتوظيف، فقد أشارت منظمة العمل الدولية في تقريرها عن العمالة لعام 2001 إلى أن هذه المراكز ستصبح من أهم آليات خلق فرص التوظيف في العالم.


** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2018
هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com



التعليقات
اضف تعليق