العلاقة بين قواعد الشريعة الإسلامية وقواعد القانون في العراق

شبكة النبأ المعلوماتية: 618 2018-4-17 10:52

العلاقة بين قواعد الشريعة الإسلامية وقواعد القانون في العراق

   لا يخفى على أحد ان العراق أحد أهم البلدان الإسلامية على امتداد التأريخ وكان ولا يزال الغالبية من أبناء شعبه الكرام يعتنقون الدين الإسلامي، وكان للأخير الأثر البالغ في القواعد القانونية التي طبقت فيما مضى أو لا زالت نافذة ومطبقة إلى اليوم، رغم التنوع الديني والاثني في هذا البلد فهنالك العديد من معتنقي الأديان الأخرى كالمسيحية والصابئة والايزيديين وغيرهم كثير إلا أنهم كانوا وما زالوا يتعايشون مع شركاء البلد والتاريخ والثقافة واللغة من المسلمين، ولعل استحضار التاريخ العراقي في هذا الموطن يأخذ بأيدينا إلى ماضي البلد منذ أن بعث الله تعالى نبيه الكريم حتى فتح العراق على أيدي المسلمين وتحوله إلى حاضرة إسلامية متميزة ومركزاً للفكر والتحضر وكانت الشريعة الإسلامية هي القانون المطبق ومروراً بحقب مثل فيها العراق قطب الرحى حين انتقلت العاصمة الإسلامية إليه في عهد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، بيد إن مراحل تلت ذلك مثلت تراجعاً للبلد والشريعة الإسلامية المطبقة فيه كقانون واجب التطبيق بسبب التطورات السياسية والعسكرية والاجتماعية وكثرة الغزوات التي انهالت على الوطن والشعب والجرائم التي ارتكبت بحق المسلمين في هذا البلد.

ولا يفوتنا ذكر الانحراف عن مقاصد الشرع المقدس والذي حصل نتيجة هيمنة بعض الأشخاص على مقاليد الحكم بأيدلوجية دينية أو سياسية معينة ومحاولة فرضها بشتى السبل على الجميع في العراق وهذا ما بدا واضحاً في عهد سيطرة الدولة العثمانية على أقل تقدير التي استمرت قرابة أربعة قرون من الزمان، ومن ثم أعقب ذلك نشوء الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي بعد تدخل من قبل رجالات الدين المعروفين آنذاك وإعلانهم الثورة على المحتل الانكليزي وتحرر العراق وتحوله باتجاه بناء الدولة الحديثة وكان للشريعة الإسلامية الحظ الأوفر في رسم الأحداث والتأثير فيها بشكل ايجابي ومن ثم كان لها البصمة الواضحة على التشريعات التي رافقت هذه التطورات.

والمتتبع للقواعد القانونية في العراق يجد إن الشريعة الغراء مصدراً رئيساً ومؤثراً في سن وصياغة التشريعات على اختلاف أنواعها ونذكر في هذا الخصوص ما ورد في أول وثيقة دستورية صدرت في العراق وهي القانون الأساسي العراقي للعام 1925 ورد النص في المادة (13/ إن الإسلام دين الدولة الرسمي وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد التامة، وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام، وما لم تنافٍ الآداب العامة) وورد في الدستور الجمهوري الأول في العراق عام 1958 نص المادة الرابعة التي تقضي بان (الإسلام دين الدولة).

وهكذا حرصت الدساتير الأخرى ومنها دستور العراق لعام 1970 الذي ورد النص فيه نصاً مماثلاً في المادة الرابعة منه أيضاً وقد ورد في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية للعام 2004 الذي كان للسفير بريمر وسلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة اليد الطولى في صياغته نص المادة (7/الإسلام دين الدولة الرسمي، ويعد مصدراً للتشريع ولا يجوز سن قانون خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها ولا مع مبادئ الديمقراطية والحقوق الواردة في الباب الثاني من هذا القانون ويحترم هذا القانون الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسات الدينية)، وتم التأكيد على المعنى المتقدم في دستور العراق النافذ 2005 المادة الثانية التي جرى نصها بالاتي: (أولاً/ الإسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساس للتشريع:

أ‌- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام).

مما تقدم يتبين لنا المكانة السامية للشريعة الإسلامية في نظر المشرع العراقي حين تم التأكيد في أكثر من موطن على إن الإسلام دين الدولة الرسمي وانه مصدر أساس للتشريع وهذا ما تم تأكيده في العديد من النصوص القانونية الأخرى منها ما ورد في القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل المادة (الأولى/ فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين فإذا لم يوجد فبمقتضى قواعد العدالة).

بيد إن ما يؤخذ على المشرع انه عّد الشريعة المقدسة المصدر الاحتياطي الثالث في الترتيب ما لا يتفق مع الفلسفة الدستورية التي اعتبرت الإسلام دين الدولة وهو مصدر أساس في التشريع فكيف لنا أن نقدم العرف عليه؟ أو أن نقدم النص القانوني الذي قد يحتمل انه يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام؟، وكذلك ورد نص قريب مما تقدم في قانون الأحوال الشخصية المرقم (188) لسنة 1959 في المادة (الأولى /...2- إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه فيحكم بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون.

3- تسترشد المحاكم في كل ذلك بالأحكام التي أقرها القضاء والفقه الإسلامي في العراق وفي البلاد الإسلامية الأخرى التي تتقارب قوانينها من القوانين العراقية.)، وثوابت أحكام الإسلام التي أشار إليها دستور جمهورية العراق 2005 هي مجموعة الأحكام المدلول عليها بنص قطعي لا يختلف باختلاف الزمان والمكان (حلال محمد صلى الله عليه واله وسلم حلال إلى يوم القيامة وحرامه إلى يوم القيامة) فهذه الثوابت تتميز بالاتي:

1- الاستقرار: فلا تجري عليها سنة التغيير أو التحول.

2- الديمومة: فلا تفنى بمرور الزمان ولن يغير مروره من خصائصها ووظائفها.

3- الإفادة: فهي صالحة ولا تفسد ولا يمكن أن تبطل بحال من الأحوال.

4- الشمول: فهي تنال بنطاقها الجميع بلا استثناء الحاكم والمحكوم.

5- الإنسانية: فهي قواعد إنسانية بامتياز وذات معنى حضاري صالح لكل زمان.

وفي معرض الحديث عن الشريعة الإسلامية ودورها في التشريعات العراقية نقول إنها لا تختلف عن القواعد القانونية المطبقة في شيء كونها مجموعة أحكام متكاملة وملزمة تنظم حياة وسلوك الفرد المسلم وغير المسلم في شؤون الحياة كافة الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية والروحية و...الخ وتتميز الشريعة الغراء بأنها نظام قانوني متكامل ومحيط بدقائق الأمور ومرن في الوقت ذاته كونه يقوم على أصول كلية أو عمومية تصلح للتطبيق في كل زمان ومكان لإمكانية استيعاب المستجدات الحياتية المختلفة، ولعلنا لا نخطئ إن قلنا إن فقهاء الشريعة الإسلامية متفوقون على فقهاء القانون بكونهم متبحرين في الأحكام العملية وليس الاكتفاء بالأصول والنظريات المجردة ما يعطيهم المكنة من النزول إلى مستوى الحاجات اليومية والمشاكل الواقعية ووضع الحلول النهائية لها، لا الاكتفاء بطرح النظريات العلمية القابلة للتجريب والتي تحتمل الصدق والكذب والنجاح والفشل، ما يعني أن الفقه الإسلامي بالدرجة الأساس تطبيقي يعنى بالحلول السريعة والجذرية لمشاكل البلاد والعباد وفق أسس موضوعية وعلمية محكمة وضعها النبي الأكرم والأئمة عليهم السلام والسلف الصالح من علماء الأمة.

وعلى سبيل المثال أن الفقيه الإسلامي حين يجلس لدراسة مسألة ما يجد في بحور الشريعة الخاتمة قواعد جامعة مانعة صالحة للتطبيق اليومي ومنها على سبيل المثال (اليقين لا يزول بالشك، لا ضرر ولا ضرار) فهاتان القاعدتان على بساطة كلماتهما إلا إنهما يحملان معنى عميق جداً وهو ديدن القواعد الكلية التي جاءت بها الشريعة الخاتمة الأخرى، ولعل ما تقدم هو السبب الباعث للمحافل العالمية والدولية للاعتراف بالشريعة الإسلامية ودورها الرائد في تنظيم شؤون الحياة فقد تم الاعتراف بها مصدراً عالمياً للتشريع في العديد من المؤتمرات ومنها:

1- مؤتمر القانون المقارن الدولي في لاهاي 1932.

2- مؤتمر لاهاي 1937. ومؤتمر القانون المقارن أيضاً في لاهاي 1938.

3- مؤتمر دولي في واشنطن عام 1945.

وانتهت تلك المؤتمرات إلى مجموعة مبادئ منها (اعتبار الشرع الإسلامي مصدراً رابعاً، وإنها أي الشريعة قائمة بذاتها ولا تنتمي إلى القانون الروماني أو أي شريعة أخرى، صلاحية الشرع الإسلامي المقدس للتطبيق في كل زمان ومكان، اعتبار الشريعة مصدراً من مصادر محكمة العدل الدولية وفق ما ورد في المادة (38) من نظامها الأساس باعتبار الشريعة واحدة من المصادر الرئيسة لجملة كبيرة من الدول حول العالم).

والسبب في تفوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بتقديري يرجع إلى عدة أسباب نجملها بالآتي:

1- إن الشريعة المحمدية المباركة وحي من الله تعالى أما واضع القوانين فهم البشر ممن تجري عليهم سنة الخطأ والصواب وبالتالي ستكون القاعدة القانونية ناقصة وغير جامعة أو مانعة بلا جدال.

2- ومن جانب أخر يركز المشرع على تنظيم شؤون الحياة المجتمعية في القانون الوضعي بينما حرصت الشريعة الإسلامية بكل مصادر قواعدها الملزمة على الربط المنطقي في علاقة الإنسان بربه وبالآخرين في كل موطن من مواطن الأوامر أو النواهِ فكان هدفها الأساسي تحرير الإنسان المسلم من الشهوات وهي أصل الرذائل وسببها الأول الأمر الذي عجزت عنه القوانين الوضعية، التي من مصاديقها مثلا إن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 لا يعاقب في المواد (393-394) على الزنا إن تم مع بالغة سن الرشد وبرضاها والنص بكل وضوح يخالف ثوابت أحكام الإسلام المجمع عليها بيد انه لم يعدل أو يلغى لغاية الآن مثلاً.

3- الشمول والسعة هو ديدن القواعد الشرعية والقصور وعدم الإحاطة هو صفة ملازمة للقواعد القانونية التي يضعها البشر، فعلى سبيل المثال وضعت عشرات الإعلانات والمعاهدات والقوانين والدساتير التي تضمنت بشكل مباشر مختلف تطبيقات حقوق الإنسان بيد أنها لا تزال قاصرة على أن تنظمها بشكل متكامل وبعرض موضوعي وافٍ يمنع الاعتداء عليها بسبب الاختلاف في التفسيرات التي يجتهد كل حاكم أو دولة في وضعها والالتزام بها، ولا أدل على ما تقدم مما يحصل اليوم في سوريا والعراق واليمن وغيرها من البلاد.

في الوقت الذي لو وضعنا نصين محكمين وردتا في الأثر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهما عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر وهو ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم ورسالة الحقوق للأمام زين العابدين عليه السلام التي حرص الأمام على ان تكون شاملة فبدأ بعلاقة العبد بربه والتي لم نجد لها نظير بكل تراث الدول على مدار المائة عام السابقة رغم كثرة ما صدر من مواثيق تهتم بحقوق الإنسان وتنظم حرياته الأساسية، ومن نافلة القول أن نذكر إن الفقه الإسلامي يتناول بالضرورة ثلاث علاقات بالتنظيم المحكم والمتقن وهي كل من علاقة المرء بربه وتسمى بالعبادات وعلاقته بالغير وتسمى بالمعاملات وعلاقته بنفسه وتسمى بالأخلاق.

إلى جانب ما تقدم هنالك تشابه إلى حد ما في الخصائص بين القاعدة القانونية والشرعية من حيث إن كلاهما يتميز بالآتي:

1- العموم والتجريد ما يمكنهما من تحقيق العدالة والمساواة بين أبناء المجتمع.

2- الإلزام: فكلاهما يهدف إلى إقامة النظام في المجتمع وهو الأمر الذي لا يدرك إلا بصورة تحديد سلوك الفرد ووضع بعض القيود على تصرفاته ولن يتحقق الإلزام للقاعدة ما لم تقترن بجزاء مادي وهو ما تضمنته كل من القاعدة القانونية والشرعية ورجح كفة الأخيرة انها تتضمن الجزاء غير المادي أو الأخروي كرادع إضافي وهو ما تخلو منه القاعدة القانونية بالتأكيد.

3- التنظيم: فكل من القاعدة القانونية والشرعية هدفهما تنظيم سلوك الفرد الخارجي في الأسرة والسوق والعمل وغيرها ويوصفان بالطابع الاجتماعي علاوة على ما تقدم كونهما يهدفان إلى إقامة نظام اجتماعي منظم.

4- المشروعية: إذ إن الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي يمتازان بوجود عدد من النصوص التي تتفاوت في قوتها الملزمة بحسب السلطة التي صدرت عنها فعلى سبيل المثال يتربع القرآن الكريم على قمة مصادر الشريعة ويأمرنا الأئمة أن نرمي بعرض الجدار كل ما تعارض معه، ثم يتلوه قول المعصوم، ثم العقل والإجماع....، وكذا القانون الدستور يكون بالقمة لأنه تعبير عن إرادة الشعب الصريحة ويتلوه القانون الصادر عن ممثلي الشعب وبعده القواعد الفرعية الصادرة تنفيذا لما سبق.

5- التقنين: القواعد الشرعية والقانونية قابلة للتقنين أي ان تصدر بشكل مجاميع منقحة عن السلطة التي تملك ذلك بعد ترتيبها موضوعياً وبذا تكون ملزمة للكافة.

ولما كان المشرع الدستوري العراقي نص في المادة الثانية على إن الإسلام دين الدولة وعدم جواز تشريع قوانين تتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام هذا يعني لنا أن الشريعة باتت مصدراً رسمياً يتفوق على العرف ما يتطلب تعديل القانون المدني العراقي وقانون الأحوال الشخصية سالفي الذكر والتأكيد على إن الشريعة بما تضمنته من ثوابت هي الحاكم، إلا إن مما يؤسف له إن الأمر بقي مجرد حبر على ورق، ونعطي على ما تقدم مثالاً إذ عرضت على المحكمة الاتحادية في العراق بوصفها المحامي عن علوية وسمو الدستور العراقي دعاوى عدة تطعن بمخالفة نصوص قانونية للثوابت في شرع الله نذكر منها الدعوى المرقمة (65) في 10/10/2016 والتي تناولت الطعن بالمواد (40-43) من قانون الأحوال الشخصية التي تجيز للقاضي التفريق بين الزوجين فكان رد المحكمة غريباً من نوعه إذ لم تأخذ بنظر الإعتبار إن الطلاق وهو الطريق الشرعي لإنهاء عقد الزواج يعد أبغض الحلال عند الله وان التفريق لا يكون إلا بأمر الحاكم الشرعي جامع الشرائط إلا أنها قالت ان المواد أعلاه لا تتعارض مع الدستور كونها تنظيمية.

من كل ما تقدم نجد ان العديد من التشريعات العراقية ولا سيما العقابية والمدنية منها تتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام الحنيف ولهذا لابد من إعادة النظر فيها ونقترح لذلك تشكيل لجنة من أفاضل علماء الدين في العراق وفقهاء القانون والقضاة لتحديد أهم مكامن التعارض وتقديم المقترحات بشأن التعديلات اللازمة بها إلى الحكومة والسلطة التشريعية لتجد طريقها إلى التعديل وبقائها رغم مرور أكثر من (12) سنة على نفاذ الدستور فيه تحدي للإرادة الإلهية والشعبية على حد سواء.


** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2018
هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com



التعليقات
اضف تعليق