دراسات

الأعمال الإرهابية لداعش في ميزان القانون الدولي

 تأخذ الأعمال الإرهابية التي تنفذها التنظيمات المتطرفة في مناطق مختلفة من العالم، حيزاً كبيراً من اهتمام فقهاء القانون الدولي والقانون الجنائي لما تشكله هذه الظاهرة من خطر جسيم على المجتمع الدولي نتيجة الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، والقتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب، أو أخذ الرهائن، أو الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، أو إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة ...

   يشير القانون الدولي الإنساني على وجه التحديد ويحظر "التدابير الإرهابية " أو "الأعمال الإرهابية". وتنص اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 33) على أنه "تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب"، في حين يحظر البروتوكول الإضافي الثاني (المادة 4) "أعمال الإرهاب" ضد الأشخاص الذين يشتركون بصورة مباشرة أو الذين يكفون عن الاشتراك في الأعمال العدائية. والهدف الرئيسي هو التأكيد على وجوب عدم تعريض الأفراد أو السكان المدنيين للخضوع لعقوبات جماعية، والتي تفضي، من بين أمور أخرى، إلى وجود حالة من الرعب.

   ووفقا للبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف، تحظر الأفعال التي تهدف أيضا إلى نشر الرعب بين السكان المدنيين. "لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا وكذا الأشخاص المدنيون محلاً للهجوم. وتحظر أعمال العنف أو التهديد به الرامية أساساً إلى بث الذعر بين السكان المدنيين" (المادة 51 من البروتوكول الأول، الفقرة 2 من المادة 13 في البروتوكول الثاني). 

  في العراق، يأخذ هذا الموضوع بعداً أكثر أهمية بحكم معاناة العراقيين من مختلف صور الجرائم الإرهابية، وتحت مسميات، وذرائع مختلفة عرضت سلامة المجتمع، وأمنه للخطر، وألقت الرعب في نفوس المواطنين، وألحقت الضرر بالاقتصاد، والبيئة، والمنشآت، والأملاك العامة، والخاصة، وعرقلة ممارسة الحياة الطبيعية في أجزاء كبيرة من الوطن. (كريم مزعل شبي عميد كلية القانون كربلاء، مفهوم الإرهاب، دراسة في القانون الدولي والداخلي).

   ولعل ما ترتكبه الجماعات المسلحة والمعروفة بـ(داعش) في مدينة موصل، واحدة من المحطات التي ينبغي على المجتمع الدولي الوقوف عندها طويلا، لان استمرار الأعمال الإرهابية ضد المدنيين في مدينة موصل، من شأنه أن يخلق فوضى سياسية وأمنية واجتماعية في العراق والمنطقة بأسرها. فقد شهدت المناطق التي وقعت تحت سيطرة داعش العديد من الجرائم الدولية منها على سبيل المثال:

1- عمليات سلب ونهب واسعة طالت العديد من مصارف نينوى ومؤسساتها الحكومية، واستولت على موجوداتها بشكل شبه تام.

2- تهريب مئات السجناء بما فيهم عدد من المتهمين بقضايا الإرهاب وقضايا جنائية خطرة من سجن "بادوش" بعد سيطرتهم عليه..

3- ارتكاب مجازر بشعة بحق المدنيين العزل من أبناء الطائفتين المسيحية والأيزيدية، فضلا عن قتل العشرات من المسلمين الشيعة من الشبك والتركمان، والأقليات الأخرى، لاسيما في سهل نينوى.

4-  التسبب بنزوح مئات الآلاف الأشخاص من بيوتهم هربا من الأوضاع في الموصل وبحثا عن ملاذ آمن في مناطق أخرى.

5-  اختطاف العديد  من الأجانب المتواجدين في المحافظة بما فيهم العاملون في القنصلية التركية.

   لقد توالت الإدانات الدولية والإقليمية والعربية للجرائم التي ترتكبها داعش في موصل، فقد استنكر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ارتفاع معدلات العنف في العراق على أيدي المجاميع الإرهابية واختطاف الدبلوماسيين الأتراك، وشدد على ضرورة عدم السماح للإرهاب بالنجاح في تعطيل مسيرة العراق نحو الديمقراطية، كما أعرب مجلس الأمن عن قلقه العميق إزاء نزوح مئات الآلاف من بيوتهم هربا من الأوضاع في الموصل.

   وقد أعرب الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية عن بالغ القلق من تصاعد موجة التفجيرات والعمليات العسكرية التي تقوم بها مجموعات إرهابية ضد السكان المدنيين العراقيين، والتي استهدفت آخرها وعلى نحو خطير ومروع مدينة الموصل العراقية. وندد العربي - في بيان له - بالأنشطة الإجرامية التي يقوم بها تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق، داعيا إلى تضافر جهود جميع القوى والفعاليات السياسية والوطنية العراقية في مواجهة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، درءا للمخاطر وحفاظا على وحدة العراق وأمنه واستقراره.

  وفي الحقيقة، يعتبر الإرهاب الدولي جريمة من الجرائم الدولية. والجرائم الدولية في ظل القانون الدولي هي جرائم يحق لكل دولة أن تمارس إزائها اختصاصا جنائياً بغض النظر عن جنسية مرتكبيها أو ضحيتها أو مكان ارتكابها. وهناك عدد من الاتفاقات الدولية التي تلزم أطرافها من الدول بممارسة هذا الاختصاص مثل أتفاق طوكيو 1963 الخاص بالجرائم والأفعال الأخرى التي ترتكب على متن الطائرات، واتفاق لاهاي 1970 لقمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات، واتفاق مونتريال 1917 لقمع جرائم الاعتداء على سلامة الطيران، والاتفاق الدولي لمناهضة ارتهان الأشخاص 1979.

   كما تناول المشرع العراقي الإرهاب من حيث انه عنصر من عناصر بعض الجرائم المعاقب عليها كجريمة التآمر لتغيير مبادئ الدستور الأساسية أو الاعتداء على النظم الأساسية للدولة أو الاعتداء على الموظفين والمواطنين.

فقد ورد في المادة (200/2) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969((يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو الحبس كل من حبذ أو روج أياً من المذاهب التي ترمي إلى تغيير مبادىء الدستور الأساسية أو النظم الأساسية الاجتماعية أو لتسويد طبقة اجتماعية على غيرها من النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية متى كان استعمال القوة أو الإرهاب أو أي وسيلةٍ أخرى غير مشروعة ملحوظاً في ذلك)).

   وورد في المادة (365) ((يعاقب بالحبس أو الغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين من اعتدى أو شرع في الاعتداء على حق الموظفين أو المكلفين بخدمة عامة في العمل باستعمال القوة أو العنف أو الإرهاب أو التهديد أو أية وسيلة أخرى غير مشروعة)).

كما نصت المادة (366) على انه ((يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنه أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار من استعمل القوة أو العنف أو الإرهاب أو التهديد أو أية وسيلة أخرى غير مشروعة ضد حق الغير في العمل أو على حقه في أن يستخدم أو يمتنع عن استخدام أي شخص)).

ومن الجدير بالذكر إن تعبير الجرائم الإرهابية قد ورد في الفقرة (أ- ه) من المادة (21) من قانون العقوبات العراقي في سياق تعداد الجرائم الإرهابية التي لا تعد سياسية ولو كانت قد ارتكبت بباعث سياسي...

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات