مقالات

التمييز على أساس الثروة والجاه

   إن مـبدأ عدم التمييز هو النتيجة الملازمة لمبدأ المساواة. وهذا المبدأ يحظر المعاملة التفضيلية لشخص أو مجموعة من الأشخاص على أساس حالة أو وضع معـيّن، نحـو العرق أو اللون أو نوع الجنس أو اللغة أو الدين أو الآراء السياسية أو غيرها، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد، أو على أساس حالة أخرى نحو السن أو الأصل الاثني أو الإعاقة أو الحالة العائلية أو مركز اللاجئ أو المهاجر وغيرها.

إن المعاملات التفضيلية بين الناس على أساس الثروة والتملك؛ تتجسد في ستة مظاهر موزعة على محورين: محور عمودي؛ يشمل عدم المساواة في توزيع الدخول، وعدم المساواة في توزيع الأصول، وعدم المساواة في توزيع العمل والأجر، وعدم المساواة في توزيع فرص الحصول على المعرفة، وعدم المساواة في توزيع الخدمات الصحية، وعدم المساواة في توزيع الفرص للمشاركة المدنية والسياسية، ومحور أفقي وهو المحور الذي يعكس حالة عدم المساواة بين قطاعات محدد من السكان على أساس الجنس، أو الأصل العرقي، أو الاثني، أو مكان الإقامة.

ولا شك أن مشكلة المفاضلة بين الأفراد على أساس الثروة من أهم مشكلات المجتمع، ولا سيما في العصر الحديث، وذلك لما يترتب عليها من انقسام المجتمع إلى فرقين: الأغنياء القادرين على إشباع حاجاتهم وتحقيق رغباتهم، والفقراء العاجزين عن إشباع أو تحقيق هذه الحاجات أو بعضها.

ورغم أن الفقراء ليسوا جماعة متجانسة، حيث تتفاوت أوجه التهميش والتحديات التي تواجههم، فإنهم يتشاركون في بعض السمات إذ لا يستطيعون الوصول - على قدم المساواة- إلى مؤسسات الدولة وخدماتها التي تحمي حقوق الإنسان وتعززها، وغالبا ما يكونوا غير قادرين على التعبير بالقدر الكافي عن حاجاتهم، وطلب الإنصاف من أي مظالم، والمشاركة في الحياة العامة، والتأثير على السياسات التي تؤثر على حياتهم.

حيث إن التفاوت الاقتصادي بين الناس يشجع الاستئثار بالعملية السياسية، وعدم المساواة في إعمال الحقوق المدنية والسياسية، فالتفاوت الاقتصادي بدرجات كبيرة قد يخلق مؤسسات تحافظ على الامتيازات السياسي والاقتصادية والاجتماعية للنخب، وتترك الفقراء في حالة فقر بصعب الإفلات منها.

والحقيقة بينة، فلا تقتصر الآثار السلبية للفقر على الحاضر فحسب، وإنما تمتد إلى المستقبل أيضا من خلال تأثيرها على أطفال الأسر الفقيرة من جراء سوء التغذية والتسرب من التعليم، إذ يشب هؤلاء الأطفال ضعفاء جسمانيا وذهنيا وغير مؤهلين لمقابلة تحديات المستقبل، مما يضعف قدرة المجتمع على تحقيق التنمية، فضلاً عما يتسبب فيه "مضاعف الفقر" الذي يجعل انتقال الفقر عبر الأجيال يتم بمعدلات مضاعفة، ويؤدي بالتالي إلى نمو ظاهرة الفقر.

كما قد تؤثر الحياة العائلية والخبرات الاجتماعية التي يكتسبها الأطفال تأثيرا كبيرا على ما سيكسبونه مستقبلا، فأبناء العائلات الموسرة يفيدون من محيطهم في كل مرحلة يمرون بها، في حين أن أبناء الفقراء غالبا ما يعانون من الازدحام، وسوء التغذية، وبيئة مدرسية سيئة، وتعليم غير متطور. ويعتبر الاختلاف في الفرص التي يقدمها الوسط الذي يعيش فيه الأفراد من أهم الأسباب التي تؤدي إلى عدم المساواة في الدخل، ويقصد بالفرص التسهيلات والمؤسسات التربوية والعلمية والفنية والتدريبية وما إلى ذلك، والتي تؤهل الأفراد للحصول على أعمال مربحة ودخل عال نسبيا. وهذه الفرص ليست متوافرة بصورة متساوية أمام كل الأفراد. فالفقراء تكون لديهم فرصة أقل من ميسوري الحال في الحصول على التعليم والتدريب اللازم لكثير من الأعمال ذات الدخل العالي. بالإضافة إلى التسهيلات العديدة المتوافرة أمام الأغنياء كاتساع دائرة علاقاتهم والتي تسهل لهم عملية الارتقاء في السلم الاجتماعي والاقتصادي.

نعم؛ لا يمكن الدعوة إلى المساواة الاقتصادية الكاملة بين جميع البشر، حيث إن المساواة الاقتصادية الكاملة غير قابلة التحقيق، ويمكن القول إن ذلك غير مرغوب فيه، وليس هناك ما يدعو إلى الاعتراض على وجود درجة معينة من التفاوت الاقتصادي إذا كانت تعكس الاختلاف في الجهد والموهبة، وكان لها دور أساسي في تحقيق قدر أكبر من الرفاه للمجتمع ككل، ويبدو أن هناك توافقا بشأن هذه المسألة، ولكن شريطة أن يكون لكل إنسان الحق -على أقل تقدير- في تكافؤ الفرص

وكثيرا ما ينظر إلى العدالة الاجتماعية كمرادف للمساواة، ولكن لا يعني ذلك المساواة الكاملة أو المطلقة، بمعنى التساوي الحسابي في أنصبة أفراد المجتمع من الدخل أو الثروة، فمن الوارد أن تكون هناك فروق في هذه الأنصبة تتواكب مع الفروق الفردية بين الناس في أمور كثيرة، كالفروق في الجهد المبذول في الأعمال المختلفة، أو فيما تتطلبه من مهارات أو تأهيل علمي أو خبرة. والمهم أن تكون هذه الفروق بين الناس في الدخل والثروة أو في غيرهـا مقبولة اجتماعيا، بمعنى أنها تتحدد وفق معايير بعيـدة عـن الاسـتغلال والظلـم، ومتوافق عليها اجتماعياً.

إن النظرية الإسلامية تؤكد على أصالة العدالة الاجتماعية بين الأفراد. وهذا الأصل يتم عن طريقين؛ أولهما: إن التفاضل بين الأفراد في الأجور قائم على أساس بذل الجهد وقيمة العمل. وثانيهما: إن الثروة الاجتماعية يعاد توزيعها عن طريق استخراج زكاة وخمس الثروات الحيوانية والزراعية والنقدية من الأثرياء وتسليمها إلى الفقراء. ولا شك إن الكفارات بشتى أشكالها، وأضاحي الحج والصدقات المستحبة تسد حاجات الملايين من الأفراد.

ولذلك يعد التفاضل بين الناس على أساس الثروة مظهرا من مظاهر الظلم والاستغلال للفقراء والمعوزين، لأن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متع به غني والله تعالى سائلهم عن ذلك كله. عن الإمام الصادق (ع): (إن الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم).

ولكن التفاضل الذي يقره الإسلام ويشجع أفراده على ممارسته هو التفاضل القائم على أساس بذل الجهد وقيمة العمل. ولما كانت قابليات الأفراد في التحصيل والفهم والإدراك متفاوتة، كان تمايز الأفراد من ناحية الاكتساب أمراً حتمياً. إذ أن مقتضى العدل أن يحصل كل صاحب خدمة إنتاجية على ما يستحقه نتيجة لذلك الإسهام الذي قام به في توليد الدخل، فيحصل على نصيبه حسب إسهامه في ذلك، ويترتب على التفاوت في القدرات والمواهب الإنسانية – باعتبارها أمر فطري- اختلاف الأنصبة التي يحصل عليها أفراد المجتمع من الدخل..

بناء على ما تقدم، نخلص إلى الآتي:

1. لا شك أن التمييز على أساس الوضع الاقتصادي أو الثروة أو الجاه هو أحد أشكال التمييز المفروض بين البشر، ليس على مستوى الأشخاص العاديين فقط، بل على مستوى الدول والشعوب والأمم، فكما أن الأشخاص العاديين يتوزعون بين الفقراء والأغنياء؛ فكذلك الدول والشعوب تتوزع بين دول فقرة ودول غنية، أو بين شعوب فقيرة وشعوب غنية.

2. من الضروري لتحقيق المساواة الاقتصادية بين الناس غياب التمييز بين المواطنين، وإزالة كل ما يؤدي إليه من عوامل، وما يترتب عليه من نتائج سلبية، كالتهميش، والإقصاء الاجتماعي، والحرمان من بعض الحقوق.

3. من الضروري لتحقيق المساواة الاقتصادية المنشودة بين الناس توفير الفرص، حيث لا معنى للحديث مثلا عن التكافؤ في فرص العمل، إذا كانت البطالة شائعة، ومواطن الشغل غائبة، وهو ما يرتب التزاما على الدولة بوضع السياسات الكفيلة بتوفير فرص العمل، وكذلك تمكين الأفراد من الاستفادة من الفرص، ومن التنافس على قدم المساواة عليها.

4. من وجهة نظر الإسلام إن الناس عباد الله وخلقه، وأن التفاضل بينهم في الإسلام لا يقوم على أساس الثروة والنسب، وإنما على أساس التقوى والعمل الصالح. وإن المال مال الله، والناس مستخلفون للعمل فيه، واستثماره وفقا لأوامر الله، فلا يجوز لصاحب المال أن يحتكر المال، أو يتخذه أداة للظلم والاستغلال والتعالي على الفقراء والمحتاجين، بل إن من واجبه أن يضع هذا المال في خدمة الناس والمجتمع.

5. إن التفاضل الإلهي بين الأفراد لاسيما التفاضل على أساس الثروة -يستند ـ في الأصل ـ على الجهد البشري في العمل الاجتماعي، فلما كان المجتمع الإنساني مبنياً على تفاوت قابليات الأفراد في التحصيل وبذل الجهد أولاً، ولما كانت الثروة العينية والقيمية في تحرك وتداول مستمر بين الأفراد ثانياً، أصبح نشوء الاختلاف في تملك الثروة وبذلها أمرا حتمياً.

6. إن مسؤولية الفقراء تقع ولا شك على عاتق الأغنياء، وهذه معادلة نفهمها على المستوى الفردي، فحينما نجد إنساناً في الشارع يعاني من العوز والفقر ولا يجد ما يأكله، وأنت تجد، ليس ما تأكله وتدخره فحسب، بل تجد الكثير لأولادك وأحفادك أيضاً، فإن عليك ولا شك أن تعطيه بمقدار ما يسد رمقه على الأقل.

 

 

 

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2019

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات